رؤية نجيب الكيلاني العالميةفي رواية “عذراء جاكرتا”:
تحليل البنيوي التوليدي
الباحث: أ/د. توفيق أحمد درديري، S.U
أولا: الخلفيات
ولد نجيب الكيلاني عام 1931،ونشأ في حب الكتابة منذ دراستهفي المرحلة الاعدادية عام 1946 وبقى على هذه هواية إلى نهاية حياته (عام 1995). كان هو الشاهد على تاريخ الاضطرابات السياسيةفي مصر عام1955، بينما نشرتالطبعة الثانية لأحدى مؤلفاته وهي رواية”عذراء جاكرتا”عام 1972، وهذا يؤكد أن عملية تنسيق هذا التأليف كرواية كانت في غضون عام الستينات، ولا تزال هذه الفترة من السنوات ملموحة على النحو العام بتفاوت التأثيرات بين الغرب والشرق وبين الامبرالية الغربية والاشتراكية الشرقية وتحت ريادة الاتحاد السوفياتي والصين. فلا شك بالقول أن الأديب نجيب الكيلاني وعذراء جاكرتا هما الشاهدين على نمو واتساع الاشتراكية – الشيوعية التي كانت حينها متطورة في الدول الشرقية بما فيها الجمهورية المصرية.
كانت مصر في تلك الأواني مقياسا لعالم الأدب العربي لما لديها من أكبر عدد من الأدباء بالنسبة للبلاد العربية الأخرى، والأديب نجيب محفوظ الحاصل على جائزة النوبيل في الأدب لعام 1988 هو أحدهمبجانب هؤلا الأدباء العظماء مثل توفيق الحكيم وطه حسين ونوال السعداوي ونجيب الكيلاني. وكان يميل أكثرهم إلى اتخاذ بلادهم العربية خلفية لمؤلفاتهم من الروايات الحديثة أو التاريخية، ومع ذلك فقد عرض الأديب نجيب الكيلاني ميولا متميزة في مؤلفاته. كان الأديب نجيب الكيلاني مهتما بتخليد تاريخ اشكالات الأمة الاسلامية ليس فقط من الواقع المحيط في بلاده بل وفي البلاد الأخرى من العالم، كالمشاكل التي واجهتها الأمة الاسلامية في مختلف بلاد جنوب شرق آسيا وأوروبا الشرقية وأفريقا.
تألفت روايات الأديب نجيب الكيلاني عموما من الواقع والتاريخ. وهو الامتياز الذي يتسمى به حيث نجح في دمج الواقع الحاضر بالتاريخ المدقق.والواقع الحاضر هو الاشكالات التي تواجهها المجتمعات الاسلامية في مختلف أنحاء العالم، مثل اندونيسيا ونيجيرا وأثيوبيا والتركستان. ولدى هذه الروايات ما هو موثوق به من البيانات والأصول التاريخية، والتي قد تصنف كصورتاريخية للوطن بموقع الررواية (العريني، 1989).
أكد العريني (1989) أن المؤلف نجح فعلا في الربط بين شخصيات الرواية بالشخصيات الحقيقية التي مثلتالتاريخ السياسي الاندونيسي في عام الستينات. ولخص هذه الشخصيات بالعلامات والاشارات والتشابهات.فشخصية الزعيم وقائد الحرس القصري وقائد الجيش البري وفخامة الملك، تشير إلى كل من الشخصيات التاريخية: د.ن أيديت (D.N. Aidit)، و ليتنان كولونيل أونتونغ (Letkol Untung)، وماجين أ.ه.ناسوتيون (Mayjen. A. H. Nasution) ورئيس الجمهورية سوكارنو.ساعدتني النتائج المبدئية في البحث الذي قام بها العريني (1989) في تسهيل اعادة البنيوية المتجانسة بين حقيقة نص الرواية وحقيقة تاريخ الوطن الاندونيسي.
ومهما كانت رسالة العريني (1989) ملهمة للغاية للتمكن من الاطلاع على مصدر الرواية والفعال والأبعادالجمالية في الرواية، ولكن الدراسة للأسف لم تزودبالمنهج الأدبي. ولا يـبعد عن القول بأن البحث يتصف بالعمومية والانتشار لجميع مؤلفات الأديب، حتى افترض أن الدراسات العامة تتخلى الخاصة، وهو “الأمر” الأكثر قيمة عند اجراء البحث العميق على أحدىالمؤلفات، مثل البعد الجمالي والاجتماعي الذي لم يسبق له الناقش فيه.
والبحث المتزامن الذي يتركز على الروايات التاريخية لدى الأديب نجيب الكيلاني وجدناها في البحث الذي قدمه سلامة (2004)، حيث استفاد البحث المنهج التكاملي على 16 عينة من روايات الأديب نجيب الكيلانيلدراسة علاقتها بمشاكل الأمة الاسلامية. وكانت خلفية البحث هو ميل الأديب نجيب الكيلاني للتاريخ الاسلامي القديم والجديد في مؤلفاته، العربية والغير عربية. ومع الافتراضات الأولى انتج البحث أمرا هاما وهو أن الأديب نجيب الكيلاني لم يكن مهتما في مؤلفاته بتاريخ مصر القديم من عصر فرعون أو التاريخ العربي القديم من عصر الجاهلية. وهذا يعزز من ميوله إلى المؤلفات الأدبية ذات خلفيات من التاريخ الاسلامي فقط. وصوت البحث عن قدرة الأديب في قراءة قوات الأحزاب الاسياسية الكبيرة ذات الدور في انشاء التغيرات الجوهرية في التاريخ. ولهذا فقد كان الأديب حريصا على اظهار القيم والحكم من الحوادث التاريخية الهامة في رواياته القائمة على الواقع الحقيقي.
وكما كان عليه العمل في بحث العريني (1989)، ناقش سلامة (2004)في بحثه عن مؤلفات الأديب نجيب الكيلاني على النحو العمومي، ولم يأخذ بالروايات، بما فيها رواية عذراء جاكرتا على النحو الخصوصي والمركز والعميق. وكانت هذه الفجوة هي فرصتي في تكملة التقديرات على مؤلفات الأديب نجيب الكيلاني، وخاصة في رواية عذراء جاكرتا.
وأرى ضرورة اجراء البحث على رواية عذراء جاكرتا القائم على أساس المنهج البنيويالتوليدي للتعبير عن رؤيةالمؤلف للعالم وهو الأديب نجيب الكيلاني. ويتوقع من استخدام هذا المنهج القدرة على الاكتشاف على رؤية المؤلف للعالم. ومع اجراء البحث في هذه الروايةمن المتوقع التمكن من مساعدة المجتمع الأدبي في فهم الأديب نجيب الكيلاني بجميع أبعاده البنيوية التوليدية أو أبعاده الجمالية الاضافية في مؤلفه، بما فيه أيضا من الأبعاد الاجتماعية التي سيتم اجرائها على رواية عذراء جاكرتا باستخدام المنهج البنيوية التوليدية .
ثانيا: النظريات الأساسية
يتركز البحث على رؤية العالم وهي رؤية عالم الأديب نجيب الكيلاني المصورة في روايته التي سماها بعذراء جاكرتا. ولهذا فاستخدم البحث نظرية غولدمان وهي نظرية البنيوية التوليدية كاطار مرجعي للجواب على أسئلة البحث.
البنيوية التوليدية ترى أن النصوص الأدبية كبنيةناتج عن عملية تاريخية متسلسلة والذي تعيشه وتغوص فيه المجتمعات الأصلية بموقع الرواية (غولدمان، 1977). بنيت هذه النظرية على أساس مجموعة من عناصرمترابطة وهي: الواقعيةالبشرية (human fact) والفعال الجمعي (collective subject)والبنية الدالة(structures) والرؤية للعالم (world view) (غولدمان، 1980).
الواقعيةالبشرية هو جميع النتائج الحيويةوسلوكيات الانسان شفهية كانت أم طبيعية التي قد تكون على هيئة أنشطة اجتماعية وسياسية وابداع ثقافي (غولدمان، 1970). ويرى غولدمان (1970) أن جميع الحقائق البشرية تحتوي على معاني لكونها ردا على الفعال الجمعي أو مجمع الأشخاصفي عملية تعديل الأوضاع الجارية حتى تناسب مطالع ذلك الفاعل. والواقع هو نتيجة جهود الانسان في الحصول على التوازن بعلاقتها مع العالم المحيط. واعتبارا بنظرية علم النفس بياجيت (piaget) يرى غولدمان (1980) أن الانسان والبيئة المحيطة يكون دوما في عملية تبنية متعارضة بعضها البعض ولكنه مكمل لبعضه الآخر. قد يجهد الانسان على استيعاب البيئة في جانب، وقد لا يكون النجاح حاتما مع العراقلفي جانب آخر. ففي هذه العملية التبنويةالمتواصلة يكون الابداع الأدبي لديه المعنى بكونه واقعا انسانيا ونتيجة للنشاط البشري الثقافي.
تنقسم الواقعيةالبشرية كنتيجة لأنشطة أو سلوكيات الانسان إلى قسمين: الواقع الفردي وهو نتيجة للأنشطة الشهوانية، أما الواقع الجماعي فهو نتيجة للأنشطة الجماعية ذات معنى تاريخي (غولدمان، 1980). ويرى غولدمان (1980) أن الواقع الاجتماعي (التاريخي) هو نتيجة لأنشطة فعال مجمع الأشخاصوليس الفعال الفردي كما يراه فرويد (Frued). ويرى غولدمان أن الفرد مع دوافعه الشهوانية لن يقدر على انشاء الواقع الاجتماعي. ففعال مجمع الأشخاص هو الفعال القائم على الفرد حيث يكون الفرد فيه جزئيا. وفعال مجمع الأشخاص ليس مجموعة من أفراد قائمين بذاتهم بل هيوحدة موحدة ومجمعة. وهذا الفعال يسمى أيضا عملا أدبيا لأن العمل الأدبي هو نتيجة النشاط البشري الكائن مع الطبيعة العالمية والمجموعة البشرية. وصنف غولدمان (1977)الفعال الجمعي أو مجمع الأشخاص (trans individual) مع الطبقات الاجتماعية في المفهوم الماركسي، لأنه يعتبر أن هذه الطائفة هي التي أثبت التاريخ بابداعها للنظرية التامة والشمولية في الحياة والتي تؤثر ازدهار تاريخ الانسان.
يعرف غولدمان (1977)رؤية العالم بالأفكار والتطلعات والأحاسيس المعقدة والشاملة التي تقوم بشكل جماعي بربط أفراد مجموعة اجتماعية معينة تعارض المجموعات الاجتماعية الأخرى، أو هو عبارة عن اقليم عام من أفكار وأحاسيسمجموعة ومعينة. وأضاف غولدمان (1970) أن رؤية العالم لا تنشأ عن صدفة ولكنها نتيجة عملية طويلة. وسبب ذلك هو أن رؤية العالم هي عبارة عن نتيجة تفاعل بين المواضيع الاجماعية والعالم المحيط. والعملية الطويلة تحدث لأن رؤية العالم هو وعي لا يملكه جميع البشر إلا في لحظات الأزمة كتعبير فردي في مؤلفاته (غولدمان، 1970). وهذا الوعي هو الوعي الذي يقر عن ميل المجموعة نحو التماسك والمنظور الشامل والمتكامل في علاقات بين البشر مع بعضهم البعض ومع الكون (غولدمان، 1970).
وأقر غولدامان أن العمل الأدبي بكونه بنيوية ذات معنى يمثـل رؤية المؤلف للعالم (vision du monde)، وليس بكونه فرد مستقل بل بكونه مجموعة مجتمعية.والعلاقة بين البنية الأدبية والبنية المجتمعية تتوسط عن خلال رؤية العالم أو الايديولوجية المعربة عنها (غولدمان، 1977). ولهذا فالأعمال الأدبية الناتجة عن الحضارة البشرية لا يمكن فهمها بشكل كامل ما إذا اهملت شمولية حياة المجتمع التي تجري فيها الرواية. وبالتالي سيقصر هذا الاهمال من صورة النشاط الثقافي البشري بشكل ضيق. وفيما يتعلق بهذه الدراسة، سيتم استخدام هذه النظرية لاستكشاف الوراثية في رواية عذراء جاكرتا.
ثالثا: منهج البحث
إن رواية عذراء جاكرتا هو عمل أدبي نشأت وسط المجتمع من خلال خيال المؤلف وانعكاسه للظواهر الاجتماعية المحيطة. ولهذا فحضور هذه الرواية يعني أيضا كونه جزءمن حياة المجتمع. حاول الأديب نجيب الكيلاني بكونه فعال فردي في انتاج رؤيته للعالم إلى الفعال الجمعي. والتعبير الذي أعده الفعال الفردي للواقع الاجتماعي المحيطيشير إلى أن كل عمل من الأعمال الأدبية، بمافيه رواية عذراء جاكرتا،تتجذر إلى ثقافة معينة ومجتمع معين. فكيان هذا النوع من الأدب يمكنه أن يكون في مككانة وثيقة اجتماعية وثقافية.
وفي الواقع، ما أقر به أعلاهينعكس من محتواه أن الأدب هو كيان اجتماعي يقوم بالتصويت برؤية عالم المؤلف. وهذا النوع من رؤية العالم ليس مجرد حقائق تجريـبية مباشرة،بل هي أفكار واطلاعات وأحاسيس تقدر على توحيد الطوائف الاجتماعية في المجتمع. إن الكيان الأدبي المليئ بالقيم الاجتماعية تجعل الروايات، مثل رواية عذراء جاكرتا، تتصف بوسع النطاق لمختلف المناهج الاجتماعية. ولأجل رفع الحقيقة أعلاه يستخدم هذا البحث منهج البنيوية التوليدية لدى غولدمان، مع الاعتبار أن هذا المنهج هو الأرجح من بين المناهج الاجتماعية الأخرى، لما لدى المنهج من أساس نظري واضح مع ثبوت الاهتمام بقيم الأعمال الأدبية التي يجري التحليل عليها.
أما أسلوب منهج البنيوية التوليدية المستفاد به في هذا البحث هو الأسلوب الجدلي، وهو الأسلوب (كيفية) التي تربط بنيوية العمل الأدبي بالمادة التاريخية والفعال الذي أنجبه.
رابعا: نتائج البحث
(1) أ) الواقعي الأدبي: صراع الشيوعية والاسلام
كثيرا ما يرتبط الصراع بالعنف كأعمال الشغب والانقلابات والثورات. وسيتم في هذا القسم عرض العنف الذي أجرته منظمة المرأة نحو الأمة الاسلامية في رواية عذراء جاكرتا.
فالعنف كما نقله ويم بيوكين (Wim Bauken) (1997)في المعجم “Collins Cobuild Dictionary of Essential English” يعني السلوك التي تقصد ايذاء وقتل الغير، مثل الضرب أوالركل أو استخدام السلاح أو القنابل. وعرفها تيد هوندريش (Ted Honderich) باستخدام القوة العظيمة أو الهدامة للانسان أو الجماد، واستخدام القوة التي منعها القانون، ويقود إلى تعديل القرار أو الهيئة أو النظام الحكومي، ولذلك يقود أيضا إلى تعديل الكيان الفردي في المجتمع وقد يكون في المجتمع الآخر. وأنواع العنف منها السياسية، وقد يستخدم العنف السياسي للدفاع أو لتعكير الوضع الراهن (هوندريش، 1989).
والعنف المذكور في هذا القسم ليس العنف على المعنى الضيق مثل الحرب والقتل والفوضى فقط، ولكنه العنف بالمعنى الأوسع كما عرضهجوهن غالتونج (John Galtung)في كتابه “Violance and its Causes” من نشرة اليونسكو– باريس عام 1981، حيث ذكر أن العنف ينقسم إلى أربعة أقسام كبيرة وهي: 1) العنف المباشر (direct violence)، 2) العنف الغير مباشر (indirect violence)، 3) العنف القمعي (repressive violence)، 4) العنف الاغترابي (alienative violence). واضافة إلى ذلك، ناقش فرومم (Fromm) (2000) العنف من الناحية الاجتماعية-النفسية في الطابع البشري الممكن وضعها كمرجع في الاطلاع على جذور العنف، إلى أن نتمكن من الاطلاع على ظهور الدوافع إلى العنف.
وأضاف غالتونج (1981) أن أقسام العنف المذكورة تضخمت بشكل ثقافي،وقد تتواجد على هيئة رمزية في الدين والدستور واللغة والفنونوالعلوم والقوانين والوسائل الاعلامية والتعليمية، حيث لدى كل منها وظيفة بسيطة وهو اضفاء الشرعية على العنف. وبالتالي سيكون للعنف البنيوي أبعادا سياسية واقتصادية (غالتونج، 1981).
وذكر غالتونج (1981) أن أكبر الديانات والايديولوجيات الغربية،مثل الاسلام والنصرانية، الليبرالية والماركسية، لدى لك منها تصنيفين: الشدة واللين. فالشدة قد تصدر عن الاعتقادات المذكورة أعلاه لأنها أيضا مفردية وتدعي أنها الحق الوحيد والعالمية والادعاء بالصواب لجميع العالم ولجميع الأوقات المقبلة (غالتونج، 1981). فالدين والايديولوجية متهمة عند غالتونج بالدافع المسبب لحدوث العنف. فكم من كثير قتل باسم الدين والايديولوجية، ولكن غالتونج يقر أنه ليست جميع الأديان والايديولوجيات تسير على العنف، بل كانت بعضها تصيح ضد العنف. فالدين والايديولوجية قد تظهر بأنواع من الشدة واللين، وأصناف الشدة تميل إلى التركيز على المقاصد المجردة والفائقة، أما أصناف اللين تميل إلى التركيز على التقمص العاطفي بل والمودة (غالتونج،1981).
ومنذ البداية ربط ماكس ويبر (Max Weber) العنف بالدولة (ذات النظام السياسي)، وقال أنه منذ أول ظهورالدولة، كانت الدولة تبني نفسها على أساس العنف. فالسلوك العنفية الصحيحة هي من مواصفات الدولة (بيوكين، 1997). والعنف الذي تقوم به الدولة هو سلطة المنصبين لأنهم هم أصحاب الحق في تعيين المقاصد السياسية وتنفيذها واتخاذ القرارات والتصفية البديلة. فتنفيذ القرارات تستلزم القوة والسلطة لاستخدامها في التعاون أو في حل الصراع من هذه العملية. ولهذا الغرض قد تستخدم الطرق المقنعة أو الطرق المجبرة في النظام السياسي (بوديارجو، 2002).
فالعنف والسياسة لم تفلت من تسجيل قلم الأدباء. فقد حكى إيدوارد سعيد أن الأدباء في بلاده أيضا يتحدثون عن السياسة كجزء من مضمون الأعمال الأدبية وإن كانت مقتصرة على مواضيع معينة. أما الشكل والهيكل أو تصنيف الأدب تعتبر طبيعية ولا سياسية بل وقد تعتبر شريفة. كون العمل الأدبي سياسي أم لا، فهو لا يعتبر إلا بما يكون مضمونا فيه (بوديارجو، 2002). ودعم فولخير (Foulcher) هذا الرأي (كأنه يدافع عن الفنان لكرا)في بحثه عن مفهوم “السياسة فوق الفن”، حيث يرى أن النشاط الأدبي هو سلوكيات تنفيذية للايديولوجية.
ورواية عذراء جاكرتا تتخذ خلفيات من الحياة الاجتماعية والسياسية في اندونيسيا عام 1965، حيث تشتبك فيها الايديولوجيات التي بلغت نقاطذروتها. ومصدره الرئيسي هو ايديولوجية الماركسية-اللينينية ذات البيان الشيوعي كتيار سياسي ومادي في نظرة حياتهم (مكفي، 2006) التي دخلت البلاد الاندونيسية بالتسلل في جسد منظمة شركة الاسلام (Serikat Islam) (الأحمر) وانشاء الاتحاد الشيوعي الاندونيسي الذي تغير اسمه مقبلا باسم الحزب الشيوعي الاندونيسي (PKI) (مكفي، 2006). وكما اعتقده غالتونج أن مثل هذه الايديولوجياتستتطور كأمواج ضخمة تقر بنفسها أنها مفردية، تعترف بالحق الوحيدهو أن الاشتراكية هو الحل النهائي لمشاكل الوطن الاندونيسيالصغير السن. ولهذا السبب فجميع التصرفات المعارضةلهذه الفئة ينبغي سحقها من الأراضي الاندونيسية بأي طريقة بل وبالعنف أيضا.
الشخصيات التي تقوم بالدور في رواية عذراء جاكرتا هي: فاطمة، وأبو حسن، والحاج محمد،يمثلون الايديولوجية الاسلامية المعارضة للايديولوجية اليسارية التي جاء بها زعيم وجهازه ممثلا للايديولوجية الشيوعية. وذلك اضافة إلى وضع الأحداث الهامة في شخصيات محايدة، كما عرفه ألتينبيرن و لويس (في برهان ن) بكونه الشخصية ذات الكيان الخاص من أجل الرواية. حضرت هذه الشخصية (ربما أحضرت) فقط من أجل القصة، أو في الواقع هو صاحب القصة، أو الفعال في القصة، أو المقصوص عنه. وهذه الشخصيات هي: صاحب الفخامة والكولونيل وقائد الحرس القصري وبعض الجندرالات. وقد نقول فعلا أن انشاء الشخصية الرئيسية والاضافية ليس إلا للتوطيد وليكونوا مشاهدين على الأحداث التي يقوم بها في الواقع الشخصية المحايدة.
(1) ب) الواقع الاجتماعي: الامة الاسلامية ضحية العنف الشيوعي
لم تكن حوادث العنف الشيوعي لتضحية الأمة الاسلامية نقاشا أساسيا في الكتب التاريخية. فالمؤرخون طبعا يميلون إلى تقديمأحداث الانتفاضات الشيوعية في حادثة ماديون عام1948 وعام 1965فضلا بالنسبة عن أحداث عنف الأطواف الشيوعية على الأمة الاسلامية. فهذا طبيعي جدا لأن المؤرخين متصلين دوما بالسياق العالمي الوطني وليس بالسياقالجزئي لديانة معينة. ومع ذلك فالشظايا الصغيرة عن العنف الشيوعيالتي أصابت بالأمة الاسلامية لا تزال ظاهرة على يد المؤرخين وان كانت على هيئة بيانات ثنائية. ولهذا سيقوم البحث بجمع هذه الشظايا بقصد أخذ الطابع عن مدى أهمية ومعنوية هذه الأحداث في تاريخ الأمة الاسلامية الاندونيسية. ثم سوف يضيف الباحث بعض تعليقات ضحايا الحزب الشيوعي الاندونيسي الذين شاهدوا تاريخ العنف الشيوعي على الأمة الاسلامية في سبيل تكملة الشظايا المذكورة.
عثرنا على العنف الذي أسقطه الحزبالشيوعي الاندونيسي على الأمة الاسلامية في بعض المناطق الاندونيسية. وعلى الأسف لم يتم تسجيل إلا القليل في الكتب التاريخية،وهيفي جزيرة جاوا فقط. منها القتل الجماعيبمدينة ماديون بعد انتفاضات موسو عام 1948. فالقتل الجماعي الذي قامت بهالعناصر الشيوعية استهدفت الطوائف التي اعتبروها أعداء مثل الشيوخ والكياهي والمسؤول المدني والمدرسين والجيش والموظفين الحكوميين. ومن بين الأدلة المبرهنة على القتل الجماعيهو بماديون (اسماعيل، 2007).
وسبق لطوائف الحزب الشيوعي الاندونيسي المنضمة مع فرع اتحاد الشباب كديري تحت رياد سورجادي الاعتداء على اتحاد الطلبة المسلمين الاندونيسيينفي فجر التاريخ 13 من يناير 1965. وكان اتحاد الطلبة المسلمين الاندونيسيين حينها يعقد تدريبات نفسية بقرية كانيغورو كديري جاوا الشرقية. قامو الشيوعيون بالاعتداء بالضرب والتعذيب على الشيوخ وأئمة المساجد وقاموا بتهديم مرافق العبادات بل وبدس المصاحف القرآنية. فهو جلي جدا أن الشيوعيون وضعوا الأمة الاسلامية في العداوةكما كانوا يصيحون بشعائر ضد الاسلام طول الاعتداءويصرخون بالكلمات: (اقتلواطلبة المعاهد)، (اقتلوا منظمة المجتمع الاسلامي)،(اقتلوا العمامة) (هيرفاندا، 1995).
وفي مدينة سيمارانغ، قام اتحاد الفلاحين الاندونيسيين (منظمة تابعة للحزب الشيوعي الاندونيسي) بتصنيف الأمة الاسلامية كجزء مما سموه بـ”شياطين القرية السبعة” التي لا بد سفحهم. وقاموا بحملات ضد “شياطين القرية السبعة” الذي يتكون من: أصحاب الأراضي، والمراب، والوسيط، وعامل إيجون، والرأسماليون البيرقراطيون، ولصوص القرية، وعاملي الزكاة(هيرفاندا، 1995).
في الواقع،كان اعداء الحزب الشيوعي الاندونيسي هم جميع العناصر المعارضة للثـورة والمعارضة للايديولوجية الشيوعية. فطبعا أصبحت الأمة الاسلامية ألد أعدائهم لما في تعاليم الأمة من معارضات للفهم الشيوعي. ولهذا جعلت الطائفة الشيوعية الأمة الاسلامية ورجالها ومؤسساتها ومنظماتها أكبر أعدائها.فأعقبت هذه العداوةسقوط الكثير من ضحايا المسلمين لسبب هذا الصراع الذي أنشأته الشيوعية بنفسها.
وفي سبيل تكميل الحقائق التاريخية أعلاه، سيأتي الباحث ببعض التعليقات والاعترافات من يعض ضحايا عنف الحزب الشيوعي الاندونيسي، ويتم ذلك بطريقة الانتقاء الهدفي (purposive) (مهاجر، 1996)أو المخبر الرئيسي (key informan) (كونشارانينغرات، 1989). وتم الحصول على التعليقات من خلال الحوار الذي نسق على هيئة سرد تاريخي باعتبار الحصول على النفسية العنفية التي أظهرتها الطائفة الشيوعية.
(2) الطائفة الاجتماعية للمؤلف: مجموعة الدعاة السياسيين
لا يزال البشر ساكنين في الدائرة السياسية (zone piliticon)، وكذلك الأديب نجيب الكيلاني الذي كان جزءا من حركة الاخوان المسلمين (نشأت عام 1929). دامت هذه الحركة تستهدف إلى وضع القرآن دستورا للدولة في الحكم المصري. وأصبحت هذه الطائفة معارضة لنظام حكممحمد نجيبلأنه يعتبر منشئا دولة داخل دولة. وتم تحظير هذه الحركة عام 1954 والقبض على رئيسها حسن البنا مع 450 من أعوانه (لينكزوسكي، 1993).
لا يزال الأديب نجيب الكيلاني يرحب بالايديولوجية التي طمح بها حركة الاخوان المسلمين، فقد كان نشيطا في العالم السياسي منذ اقامته بمدينة طنطة وشعار حياته هو الوطنية والدينية. والأدب هي الوسيلة التي استخدمها نجيب الكيلاني من الخطباتوالشعر وغيرها من الأفكار في التعدي ضد جميع أنواع الاحتلال الأجنبي والظلم. تمسك في البداية بالمبادئ القائمة في حزب الوفدالذي أسسها سعد زغلول باشا. ومع اتساع حركة الاخوان المسلمين في الرقابة على الحكومة المصرية على أساس الشريعة الاسلامية اشترك الأديب في هذه الحركة ونشط فيها لفترة من الوقت(لينكزوسكي، 1993). وأعقب نشاطه في هذه الحركة إلى الشعور بوحشة الحبس طول أربع سنوات وبضع شهور في خمس سجون مختلفة.
رأى الأديب نجيب الكيلاني خطوطا جهادية متشابهة بين حزب الوفد وبين إخوان المسلمين، وهي: أولا: الكفاح من أجل العدالة للشعب المصري المحتلة من قبل القوات الأجنبية. ثانيا: الكفاح من أجل الشريعة الاسلامية كأساس لحكم الدولة من أجل العدالة والرفاهية للشعب المصري. كانت مبادئ كلا الحركتين أعلاه مترسبة في أعماق نفس الأديب نجيب الكيلاني كفرد سياسي. فقد أثر الاحتلال الأجنبي (البريطاني والفرنسي) على بلاده تأثيرا ماديا ومؤذيا، ولاسيما كون الاحتلال احتلالا ايديولوجيا. رأى الأديب انغلاب بعض الدول ذات أغلبية السكان المسلمة بالايديولوجية الشيوعية، وهو يتحسس بمعاناة الأمة الاسلامية. ولذلك فأصبح موضوع جهود المجتمعات الاسلامية في مكافحة هذه الايديولوجية المادية واجبا في مؤلفاته،مثل “ليالي تركستان” و”عمالقة الشمال”و”الذيل الأسود” و”عذراء جاكرتا”. وذلك مع اعترافه أنه لم يسبق له المشاهدة المباشرة لمعاناة الأمة الاسلامية في تلك البلاد، ولكن مع خبرته في التحسس بالاحتلال المادي من قبل القوات الأجنبية والجهود الشيوعية في دخول البلاد المصرية حملت به للنجاح في التصوير والعيش في ذلك العذاب بشكل عميق،كما اعترف به قراء مؤلفاته (الكيلاني، 1994). ففي هذه الروايات الأربعة أظهر الأديب مسؤولية التحسس بالأسف على المشاكل الاجتماعية والسياسية التي تواجهها الأمة الاسلامية حينها، ليس فقط في العالم العربي بل وفي خارج العالم العربي ذات الأغلبية السكانية المسلمة. ورأى مدى الاهتمام الجاد من قبل هذه الشعوب بمصير الأمة الاسلامية في العالم العربي (حوار مع حسين عاشور، 2006).
الاشكالات الشيوعية التي ظلت تقوم بالتسلل الايديولوجي لبعض الدول الشرقيةـ بما فيها إندونيسيا، هي بالواقع مشاكل سياسية بين الغرب والشرق. فالاشتراكية التي عرضتها الشيوعية العالمية تحت ريادة الاتحاد السوفياتي والصين هو نقيض الرأسمالية والليبرالية التي طالما يسيرعليه الغرب. في حين يترقب الغرب على مدى تضخم القوة المؤثرة التي تتحلى بها الاتحاد السوفياتي والصين مع شيوعيته، ناب عليهم القلق الكبير خوفا من انهيار تأثيرهم بالشرق. فقام الغرب بجميع أنواع الجهود بسد القوة الشيوعية بتقديم المساعدات للدول المسجلة في شبكة الشيوعية العالمية، بما فيها إندونيسيا (كيفر، 2002).
وبعيدا عن الصراعات بين الغرب والشرق، أصبحت الأمة الاسلامية هي الأكثر احساسا بالايديولوجية التب عرضتها الشيوعية اللادينية والمتعارضة كل التعارض عن اعتقاد الأمة الاسلامية المتدينة. ووقفالأديب نجيب الكيلاني في هذا الموقف بكونه مجمع الأشخاصومؤيدا للفئة الاجتماعية أي المجتمع الاسلامي كما تعلن به المنظماتالتي منها اخوان المسلمين بمصر، ومجلس الشورى للمسلمين الاندونيسي.
والأديب جزء من الطبقة الاجتماعية المجموعة السياسية، دافع عن مصالح الأمة الاسلامية بالتعاطف مع النضال والجهاد الذي قاموا به لمواجهة القوة الشيوعية. ثم قام بعملية البنيوية للواقع الاجتماعي عن ظلم الشيوعيين في جهدهم للحصول على السلطة ومحو التأثيرات الاسلامية عن الأراضي الاندونيسية في الواقع الأدبي لعذراء جاكرتا. فجهاد الأديب نجيب الكيلاني عن طريق الوسائل الأدبية في المجال السياسي طبعا هو أيضا جهاد الفئات الاجتماعية لدى السياسيين المسلمين في جميع أنحاء العالم.
وتأييد الأديب نجيب الكيلاني لأوضاع الأمة الاسلامية كما ورد قي رواية عذراء جاكرتا، هي النقطة المميزة والخاصة للاتجاه الاسياسي لدى نجيب الكيلاني. فقد كافح بكل وضوح نباح الشيوعيين المهددة على اعتقاد الأمة الاسلامية. ولهذا أكد الأديب وظيفة الأدب للمجتمع وهو البراغماتية. فتعتبر الأعمال الأدبية قادرة على أن تكون وسيلة لتبليغ الدعوة الاسلامية للمجتمعات المسلمة في موضوع مدى خطورة الشيوعية العالمية، كما نصت به رواية عذراء جاكرتا.
وبجانب رواية عذراء جاكرتا، يمكننا التلخيص أن جميع الروايات المؤلفة من قبل الأديب نجيب الكيلاني تحتوي على “dulce et utile” (ويليكRene Wellek, A Theory, hlm, 30) كما أشار به ويليك عن وظيفة الأعمال الأدبية. وأصبح هذا العنصر من مميزات الأديب نجيب الكيلاني الشهيرة بكونه الرائد الشهير لكتابة الروايات الاسلامية الحديثة (الكيلاني، 1991). فقد اطلع منذ البداية على خصوصية المذاهب الاسلامية في الأدب، ولا سيما بعد اجراءه بحوثا مقارنة للمذاهب الأدبية الغربية. ولخص نتائج هذه البحوث في مؤلفه الذي سماه بـ “الموجز للمذاهب الأدبية الغربية”. وبهذه المقارنة نجح نجيب الكيلاني في اظهار مميزات الأدب الاسلامي كما نصه في كتابه “الاسلامية والمذاهب الأدبية”. ورغب الأديب في الاشارة بمواصفات المذاهب الأدبية الغربية التي كان يرجع اليها العالم العربي والاسلامي خلال فترة الستينات، وأكد أن محتوى واتجاه أفكار تلك المذاهب الأدبية الغربية تجبر الأديب المسلم على الرجوع إلى مصادر الأفكار الاسلامية وشمولية وجهة نظر الاسلام لمعيشة وحياة البشر والكون. كما ينبغي على الفنان المسلم أيضا الرجوع للاطلاع على العلاقة بين الفن والدين ووجوب التزام الأدب الاسلامي الحديث بمبادئ العقيدة السمحة.
فاهتمام الأديب نجيب الكيلاني بالأدب الاسلامي لم يعبرها فقط بالأعمال الأدبية التي صورت مدى علاوة ذوقه الجميل، وخاصة على هيئة الروايات والمسرحيات والشعر، ولكنه أيضا عبرها في حثه على تزايد الأشخاص المشاركين في الأدب الاسلامي إما دراسة أو بحثا أو نقدا أو أي ابداع نحوه.
وهذا الاهتمام العظيم برسالة الأدب الاسلامي لا يستغني عن كونه كأديب ومبلغ للدعوة الاسلامية (شاهين، 2000). وكونه مسلم وأديب في نفس الوقت مع مسؤولية تامة نحو القراء،فقد كان نجيب الكيلاني شاهدا للعصر المليئ بأجراس وصفارات الايديولجيات الأجنبية (الغربية) التي أغرقت بتوجهات الأدب الاسلامي. ورد على تطورات فكرة الوجودية التي وصلت إلى قمة تـأثيرها على معظم الثقافيين العرب، حيث كانت الفكرة تحث على ترك القيم والأخلاق، ورفض الدين، والحرية من جميع القيود، وغرس القلق في النفوس.
ذكر نجيب الكيلاني عدة شخصيات عظيمة قامت بانشاء الأدب الاسلامي، فهو معجب بهم كثيرا، وهم: الفيلسوف والأديب محمد إقبال الذي اتخذ الاسلام إلهاما في تنسيق أفكاره الفلسفية (الكيلاني، 1985)، وأحمد شوقي الذي اعتبره الأديب الملازم بتقديم الاسلام في الأدب، وحافظ ابراهيمالذي قام بدوره في ادراج موضوع العقيدة الاسلامية والدعوة إلى الاصلاح الشامل في النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية الثقافية والتعليمية، ثم توفيق الحكيم الذي أثبت النصر للاسلام على الفلسفة الوضعية-المادية، وأحمد مكران بكتابه “الملحمة الاسلامية”، وعلي أحمد باكثير بمؤلفه “واإسلاماه”.
كان ثبات نجيب الكيلاني كداعية سياسي مصور في دفاعه عن مصالح الأمة الاسلامية، إما هجوما على الشيوعية عن خلال الوسائل الأدبية، أو دفاعا بانشاء نوع جديد من الأدب يقوم على الأسس الاسلامية، حتى اشتهر بريادة كتابة الروايات الاسلامية الحديثة. وإن سبقه غيره في النضال لأجل الدعوة الاسلامية عن خلال الوسائل الأدبية، ولكن الأديب نجيب الكيلاني يعد من أحد مجموعة الدعاة السياسيين الذين تركزوا بالجهاد في الاشراف على الأمة الاسلامية من خلال الأعمال الأدبية. وهذا يعني أن الحركة الفردية التي قام بها نجيب الكيلانيهو تيار معتقد للطائفة الاجتماعية لدى غيره من الدعاة السياسيين.
(3) نجيب وخبرته في بنيوية عذراء جاكرتا
كان من إحدى مميزات نجيب الكيلاني في كتابة الروايات هيقدرته على أخذ القارئ إلى المغامرة في كثير من المناطق ذات الخلفيات المختلفة.وتكون دائرة المغامرة أساسا ذات علاقة بالعالم الاسلامي مع أنواع خلفيات الطبيعة والجغرافيا والسكان والعادات والأوضاع الايديولوجية والاقتصادية والسياسية المختلفة.
وهذه المميزات نجدها كثيرا في رواياته التاريخية التي عرضت صورا جديدة جدا ومختلفة عن غيره من كتاب الروايات المصريين. مع أن الصورة الجديدة التي عرضها في الرواية لم يسبق له رؤيتها بعينيه المجردة، وكان ذلك حال القراء أيضا، ولكنه نجح في تصوير القصة بشكل رائع.
وهذا قد يكون تفسيرا لما قاله: “إن خلفيات رواية ليالي تركستان وعمالقة الشمال وعذراء جاكرتا والذيل الأسود، لم يسبق لي رؤيتها بعيني المجردتان، ولكني نجحت في عرضها والعيش فيها بشكل عميق كما اعترف به قراء الرواية” (الكيلاني، 1991). لم يحصل على هذا النجاح بسهولة، فكان عليه أن يجهد بكل وسعه للقراءة والاطلاع المستمر والاعداد. ففي ثلاث من روايات الأديب تحمل مسؤولية التعاطف مع المشاكل الاجتماعية السياسية التي تواجه الأمة الاسلامية حينها، وليس في العالم العربي فحسب بل وفي خارج الأقطار العربية بأغلبية السكان المسلمين. وكان يعتقد أن هذه الشعوب دامت تهتم بمصير الأمة الاسلامية في العالم العربي طول الزمان (حوار مع عاشور، 2006).
وبذلك فقد قرأ نجيب الكيلاني الحقائق البشرية في سلسلة تاريخية للشعوب المسلمة، والتي صنفها غولدمان مع الواقعية البشريةبالأنشاطةالاجتماعيةالسياسية في تلك البلاد (حوار مع عاشور، 2006 و غولدمان، 1970). يعتقد غولدمان أن جميع الوقائع البشرية لديها معاني،لكونها ردودا لنجيب الكيلاني كفعال الواقعية الاجتماعية أو مجمع الأشخاص في محاولته على تعديل أوضاع الأذى التي تعاني به الأمة الاسلامية، حتى تتناسب بمتطلعات ذلك الفعال أي النشطون والضحايا المسلمين القائمين بالدور في تلك الأحداث السياسية (غولدمان، 1980).
هناك عشرات من الروايات (43 رواية تقريبا) أنجز الأديب نجيب الكيلاني تأليفها. وقام حلمي محمد القاعود (القاعود، 2005) بتصنيف هذه الروايات إلى أربعة أقسام، وهي: الروايات الرومانسية، والروايات التاريخية، والروايات المستقبلية-التاريخية، والروايات الواقعية الاسلامية. رأى القاعود أن معظم هذه الروايات هي مجموعة قصص تعطي أكبر اهتمامها للصور الاسلامية. ومن بين هذه الروايات الكثيرة تمكن من توسيط اشكاليات الأمة، حيث لا يقتصر فقط على مصير الأمة الاسلامية في البلاد المصرية فقط، بل وبمصير الأمم الأسلامية في الأقطار الخارجية. وبان في الحقيقة أن الروايات الواقعية الاسلامية من مؤلفات الأديب نجيب الكيلاني تلقت الكثير من الانتقادات والتعليقات من قراءه عموما.
في حين يرى جمال السيد أن خلفيات تأليف هذه الروايات الشهيرة بدأت باهتمام الأديب نجيب الكيلاني بمصير الشعوب الاسلامية في جميع أقطار هذا العالم. فقد كان يتعاطف معهم عند مواجهة المشاكل الداخلية منها والخارجيةـ ولذلك قام بنصها على الرواية، وكانت أهمها رواية عذراء جاكرتا. عرضت في هذه الرواية صراع حاد وخطير للغايةبين الطائفة الشيوعية والأمة الاسلامية في إندونيسيا والتي ضحت بأكثر من 250,000 مسلما ومسلمة. تلقت هذه الرواية استقبالا حارا من القراء بترجمتها إلى اللغة الاندونيسية(السيد، 1995).
وبجانب الدوافع المذكورة أعلاه، هناك دوافع مماثلة دعمته لكتابة عذراء جاكرتا، منها: المشاركة في غرس الوعي للشباب في العالم الاسلامي، وتوطيد الأخوة الاسلامية بين الأمة، وفتح باب التعاون والتعارف، واظهار التمسك بالعقيدة الاسلامية في الاعتراض على الأعداء بما كان لديهم من الوسائل والأسلحة (الكيلاني، 1991).
وكما ذكره غولدمان أن الأعمال الأدبية هي دائما لا تستغني عن العوامل الاجتماعية التي ولدتها، وبذلك فسيقوم المؤلف بنفسه بتبنية الواقع الاجتماعي إلى الواقع الأدبي ليكون واقعا بشريا متناددا.والأمر معقول للكفاية لأن غولدمان يعتقد تواجد التنادد بين البنيوية الأدبية والبنيوية المجتمعية، فكلاهما ناتجان عن نفس البنيوية، وتم التواسط بينهما من قبل رؤية العالم أو الايديولوجية.
(4) رؤية المؤلف للعالم
عرض في الحديث عن الطائفة الاجتماعية لدى الأديب نجيب الكيلاني أعلاهأوضاعا جماعية دفعت بنجيب الكيلاني إلى ابداع نطاق حياة معينة مع بنيوية دقيقة ومعادلة لطائفته الاجتماعية. وبالايجاز، فالفكرة والرأي وموضوع الرواية التي جاهد فيها نجيب الكيلاني ليست فكرة جزئية من طائفته الاجتماعية. والفكرات المتماثلة والصادرة عن أفراد تلك الطائفه الاجتماعية تشير إلى أن الأديب نجيب الكيلاني هو جزء من فعال مجمع الأشخاص، وهو المؤلف الذي يفكر في مكان الانسلاخ ولا يزال في نفسية المجموعة. أما الجهاد الذي اتخذه غيره من كتاب الروايات عن المجتمعات الاسلامية البعيدين عن الانزعاجات الايديولوجية الأجنبية واحياء وظيفة الأدب القادرة على تربية الجيل المسلم هو أيضا جزء من الجهاد الذي يقوم به نجيب الكيلاني كمؤلف متدين.
وفي البحث البنيوي التوليدي، يعتبر فعال مجمع الأشخاص طاقة لبناء رؤية العالم. وعلى هذا النطاق تكون جهود الأديب نجيب الكيلاني في مكافحة الايديولوجية الأجنبية وجهوده في احياء الوظيفة الأدبية في تربية الأمة الاسلامية هي الطاقة الكبرى لدى نجيب الكيلاني على النحو الشموليكما هو منعكس في رؤيته للعالم.
ويقصد من رؤية الأديب نجيب الكيلاني للعالم هنا هو كما قاله غولدمان، أي الأفكار والاطلاعات والأحاسيس في نفس نجيب الكيلاني المعقدة والشاملةوالتي تربط بين أفراد المجموعة الاجتماعية المعينة حيث يكون فيه نجيب الكيلاني، ويمكن له معارضتها بالمجموعات الأخرى (غولدمان، 1977).
خامسا: خلاصة البحث
وانطلاقا من الحديث عن الطوائف الاجتماعية وكيفية تفكيره عن نفسية مجموعتهبكونه فعال مجمع الشخصيات، يمكننا القول بأن رؤية نجيب الكيلاني الواسعة للعالم في تعريف الاسلامبصورته الشاملة أظهرت شخصية نجيب الكيلاني كأديب ذو وعي عميق للروايات المؤثـرة. فأنشأته أفكاره ليكون شخصية دينامية يتعامل مع أمته ويتحدث مع طموحهم. وكانت بعض رواياته تصور مشاعر نجيب الكيلاني المعقدة والشاملة عن الاسلامالمفصل في ولايات جغرافية معينة. فالاسلام في منظور نجيب الكيلاني لا يزال عالما واحدا وموحدا ومترابطا بعضها البعض لأنه الدين والوطن والشعب. وبذلك يمكننا القول أن رؤية نجيب الكيلاني للعالم هي رؤية لعالم عاطفي بما لديه من القدرة على تسليط المشاعر في أفكار الآخرين. وقد يسمى أيضا بالواقعية.
المراجع
المراجع العربية:
العريني، عبد الله بن صالح. 1989. الاتجاه الإسلامي في أعمال نجيب الكيلاني القصصية. جامعة الامام محمد إبن سعود الإسلامية: مكة.
القاعود، حلمي محمد. 2005. الوقاعية الإسلامية في روايات نجيب الكيلاني: دراسة نقدية. مكتبة الأبيكة: رياض.
الكيلاني، نجيب. 1974. عذراء جاكرتا. المختر الإسلامي: القاهرة.
_______. 1985. لمحات من حياتي، ج1. مؤسسة الرسالة: بيروت.
_______. 1994. لمحات من حياتي، ج4. مؤسسة الرسالة: بيروت.
_______. 1994. لمحات من حياتي، ج5. مؤسسة الرسالة: بيروت.
_______. 1991. تجربتي الذاتية في القصص الإسلامية. دار ابن حزم: بيروت.
السيد، جمال. 1995. حوار قبل الرحيل. مجلة الأدب الإسلامي، 9-10. القاهرة.
جوهن غالتونج (John Galtung). 1981. “Violance and its Causes” من نشرة اليونسكو – باريس.
شهين، كريمة. 2000. آخر حوار مع الدكتور نجيب الكيلاني. ندوة الثقافة والعلوم: أبوظبي.
المراجع الإنجليزية والاندونيسيا:
Goldmann, Lucien. 1970. The Sociology of Literature: Status and Problems of Method, dalam Milton C.Albrecht cs. (ed.), The Sociology of Art Literature. Preager Publisher: New York.
________________. 1977. Towards a Sociology of The Novel. Taustock Publications, Ltd: London.
________________. 1977. The Hidden God. Routledge and Kegan Paul: London.
Ismail, Taufiq. 2007. Tiga Dosa Raksasa Palu Arit Indonesia. Titik Infinitum: Jakarta.
Keefer, Edward C. (ed.). 2002. Foreign Relations of The United States 1964-1968, Vol. XXVI. Hasta Mitra: Jakarta.
Lenczowski, George. 1993. Timur Tengah di Tengah Kanca Dunia. Sinar Baru Algessindo: Bandung.
Mortimer, Rex. 2006. Indonesian Communism Under Sukarno. Equinox: Jakarta.
Arabiyatuna Arabiyatuna
