أ- علم اللغة الرياضي والعروض
إن عملية العروض عملية حسابية محضة، تحتاج إلى عقل رياضي مبدع، ولكل بحر من بحور الشعر تفعيلات عديدة، ولكل تفعيلة (الضرب والعروض) أربعة أنواع تقريباً، فبحور الشعر ستة عشر بحراً، وجوازاتها أربعة أنواع، فَيَصِلُ إجماليها إلى أربعة وستين بحراً تقريباً. ولنستمع لما يقوله الخطيب التبريزي في هذا الصدد (التبريزي، 1994م، 17-18، ابن جني، 1987م، ص 56-57، الزمخشري، 1989م، 26-27):
“والشعر كله مركب من سبب ووتد وفاصلة. فالسبب حرف متحرك بعده حرف ساكن. والسبب سببان: خفيف وثقيل، فالخفيف: حرف متحرك بعده ساكن، نحو: قَدْ. والثقيل: حرفان متحركان معاً، نحو: لَكَ. والوتد وتدان: مجموع ومفروق. فالمجموع: حرفان متحركان بعدهما حرف ساكن، نحو: دَعَاْ. والمفروق: حرفان متحركان بينهما حرف ساكن، نحو: كَيْفَ. والفاصلة فاصلتان: صغيرة وكبيرة. فالصغيرة: ثلاثة أحرف متحركة بعدها حرف ساكن، نحو: عَلِمَاْ. والكبير: أربعة أحرف متحركة بعدها حرف ساكن، نحو: عَلِمَتَاْ. ولا يتوالى في الشعر أكثر من أربعة أحرف متحركات، ولا تجتمع فيه ساكنان إلا في قواف مخصوصة”.
والأمثلة التي تقطع بها الشعر ثمانية: اثنان خماسيان، وهما: فعولن، فاعلن. وستة سباعية، وهن: مفاعيلن، فاعلاتن، مستفعلن، مفاعلتن، متفاعلن، مفعولات، وما جاء بعد هذا فهو زحاف له، أو فرع عليه (التبريزي، 1994م، 19).
والشعر كله أربعة وثلاثون عروضاً، وثلاثة وسبعون ضرباً، وخمسة عشر بحراً، تجمعها خمس دوائر، فالطويل والمديد والبسيط دائرة، والوافر والكامل دائرة، والهزج والرجز والرمل دائرة، والسريع والمنسرح والخفيف والمضارع والمقتضب والمجتث، والمتقارب وحدة دائرة على قول الخليل (التبريزي، 1994م، 21).
لننظر باب الطويل مثلاً: وهو على ثمانية أجزاء: فعولن مفاعيلن أربع مرات، وله عروض واحدة وثلاثة أضرب، وعروضه لم تستعمل إلا مقبوضة، والمقبوض ما سقط خامسه الساكن، كان أصله مفاعيلن، فأسقطت الياء منه فبقى مفاعلن، وسمي مقبوضاً لأنك إذا حذفت ذلك الحرف منه تقبضت أجزاؤه واجتمعت. والضرب الأول منه سالم صحيح، وزنه مفاعيلن، والسالم ما سلم من الزحاف، والصحيح ما صح من الضروب (التبريزي، 1994م، 22). انظر الدائرة التالية، وهي عملية حسابية لتفعيلات البحور الشعرية التي صاغها الفراهيدي (التبريزي، 1994م، 49):
توصل الفراهيدي إلى هذه الدوائر العروضية وغيرها من أقسام علم العروض، من خلال ذكائه الخارق، ورسوخ قدمه في علم الإيقاع والرياضيات، وبفضل جهوده العظيمة التي لم تعرف الكلل، واستطاع أن يجمع جل الشعر العربي الذي قيل منذ العصر الجاهلي إلى عصره، واستقراه استقراء دقيقاً، أوصله إلى أن ينتمي إلى دوائر عروضية خمس، وكل دائرة تجمع عدداً من الأبحر المتشابهة، حيث حددها بخمسة عشر بحراً استعملها العرب في أشعارهم تحديداً دقيقاً شاملاً، وترك الباب مفتوحاً لغيره ليحاولوا ما حاوله، الأمر الذي جعل تلميذه الأخفش سعيد بن مسعدة (ت 215هـ) يشير إلى بحر آخر هو المتدارك أو المحدث. والحقيقة أن الفراهيدي عرف هذا البحر ونظم عليه، ولكنه لسبب ما لم يسمه (الهيب، نقلاً عن كتاب: ابن جني. 1987م، 33-35).
Arabiyatuna Arabiyatuna
